جميع الأخبار في مكان واحد

دفاعا عن التعددية البرلمانية أمام تغول المقرر الرئاسي لمجلس النواب

خلف قرار منع نائب برلمانية ” ممثلة الأمة ” من قبل رئاسة مجلس النواب، ” تنفيذا ” لقرار السلطة العامة بفرض وثيقة جواز التلقيح شرطا لازما لولوج المؤسسات العمومية و الخاصة عدد من المواقف المتباينة، اعتبارا إلى عدم إلزامية التلقيح ضد فيروس كوفيد 19.

في هذا السياق وبعد استمرار هذا المنع الذي ينزل منزلة التحجير على حساسية سياسية ممثلة لجزء من الشعب المغربي، في ممارسة اختصاصات دستورية في مقدمتها (التشريع) اختصاصات تقدم على ما عداها ، بإعتبارها نظريا على الأقل، قادرة على تعديل النص القانوني المستمد منه مشروعية المنع الذي تعلل به رئاسة مجلس النواب قرارها، المشمول بعديد الملاحظات التي نرى أهمية التفصيل فيها لدارسي العلوم السياسية عموما ، وللرأي العام.

لم يكن المشرع الدستوري، يجامل الحساسيات السياسية حينما  أقر منذ الدستور الأول للمملكة المغربية سنة 1962 بمبدأ التعددية الحزبية، بما تمثله في أدبيات العلوم السياسية فعلا عاكسا لمختلف الديناميات المضطردة التي يعيشها المجتمع، بصرف النظر عن توافقها مع النظام الدستوري القائم من عدمه.

التعددية البرلمانية كذلك، هي مبدأ متفرع عن التعددية الحزبية، إذ هي نتاج لشرعية الاستحقاق الانتخابي، و لخيارات ناخبي البلد الواحد، هؤلاء الذين اختاروا بنية برلمانية لتتخذ جزء من القرارات ذات البعد  التشريعي في مجالات معينة من القيادة الاستراتيجية للمملكة المغربية، أم يكن البرلمان هو الموقع على صك المرسوم بقانون القاضي بتمكين السلطة التنفيذية من اتخاذ مختلف القرارات اللازمة لتدبير حالة الطوارئ الصحية بالمغرب، وهو الشكل القانوني الذي اعتبره عدد من الفاعلين شيكا موقع بياض و تنازلا علنيا على عدد من الاختصاصات الأصيلة، أولها الرجوع لممثل الأمة حين الحاجة الى تقييد حقوق و حريات المواطن،

واعتبارا لما سبق، يمكننا أن نكون رأيا موجزا حول أهمية التعددية الحزبية و البرلمانية لإستمرارية مشروعية الدولة الديمقراطية، وعليه يحق لنا أن نتسائل حول المسؤولية السياسية القانونية و الواقعية لقرار رئاسة مجلس النواب بمنع ممثل الأمة من مزاولة مهامه، نتيجة لبلاغ السلطة التنفيذية،

– قانونيا – المنع من ولوج مؤسسة دستورية لذوي

الصفة في التشريع :

معلوم انه من الاختصاصات الحصرية التي أفردها الدستور للنائب البرلماني هي أحقيته في سلوك مسطرة التشريع عن طريق آلية مقترحات القوانين التي تخوله إمكانية إقتراح قانون جديد، أو تعديل قانون نافذ ومن تم عرض ذلك على المؤسسة التشريعية لمباشرة المساطرة الداخلية لإنتاج القانون،

ومعلوم أن النص القانوني الذي اعتمدته رئاسة مجلس النواب، لمنع هو قرار يستمد مرجعه وحجته من البلاغ الحكومي، الذي يستمد مرجعيته كذلك من المرسوم بقانون المنظم لحالة الطوارئ الصحية الوطنية، واعتبارا لذلك يدخل المرسوم بقانون الذي عرض على مجلس النواب تطبيقا للفصل 81 من الدستور في الفترة الفاصة بين الدورات التشريعية و تم عرضه بعد دلك على الدورة  التشريعية العادية الموالية بقصد المصادقة، ضمن دائرة النصوص القانونية التي يحق للنائب البرلماني تعديلها،

وعليه فإن منع نائب برلماني من ولوج مجلس النواب أو المستشارين تحت أي علة يحد من حقه المستمد من تمثيله للأمة في تعديل نص قانوني أو نسخه و إيقاف العمل به.

و الى جانب ذلك، يحُد القرار من حقوق النائب البرلماني في ممارسة الرقابة على أشغال الحكومة سواء من خلال ممارسة اختصاص طرح الأسئلة الكتابية، على أعضاء الحكومة و رئيسها، أو طرح الأسئلة الشفهية من داخل قبة  مجلس النواب، وقد فوت ذلك على النائبة المعنية ممارسة حقها في الرقابة على رئاسة الحكومة حين تقديمها لعرضها في شأن السياسات العامة تطبيقا للفصل 100 من الدستور، الى جانب تفويت إمكانية مناقشة نفس النائبة المعنية ابان للمناقشة العامة و التفصيلة ثم الصويت على مشروع قانون المالية.

وعن مآل ذلك، فكيف تتفاعل رئاسة المجلس مع الغياب الاضطراري الثالث لهذه النائبة عن الحضور للجلسات العامة للأسئلة الشفهية، إذا ما أخدنا بعين الاعتبار الجزاءات التي يرتبها النظام الداخلي لمجلس النواب على الغياب  ولا سيما الغياب المتكرر احتكاما للفصل 105 من النظام الداخلي لهذه المؤسسة. ومن ذلك تلاوة اسم النائب المتغيب بالجلسة العامة لإخبار الرأي العام بتغيبه بعذر غير مقبول، ثم الاقتطاع من تعويضه البرلماني.

– هل تم التخلي عن استقلالية المؤسسة التشريعية –

معلوم أن المشرع المغربي متع  للمؤسسة التشريعية التي تعتبر قطب الرحى في تحويل حاجات المجتمع الى تشريعات قابلة للتنفيذ، بعدد من الآليات القانونية التي حصنت أشغالها من الوصاية أو الرقابة، سواء الرقابة السياسية للحكومة على الفرق البرلمانية التي تشكل أغلبيتها، وهو ما يظهر من خلال خلو الأنظمة الداخلية للمؤسستين مما يمكن أن يفهم أو يفسر لصالح إمكانية تصويت النائب البرلماني لمشروع قانون قدمته الحكومة على الرغم من عدم اقتناعه به، فالتصويت حق شخص للنائب البرلماني غير قابل للتفويض – الفصل 60 من الدستور –

ونظرا لخصوصية الممارسة البرلمانية، متع الدستور كذلك النائب البرلماني، حماية لحقه في ممارسة اختصاصاته بحصانة سقوط كل دعوى أو متابعة قضائية في حقه إبان تعبيره عن آرائه اثر مزاولته لمهامه النيابية، بالإضافة إلى المكانة الاعتبارية للمعارضة البرلمانية عموما.

فهل يكون البرلمان قد تخلى عن استقلالية أعضائه و حريتهم في ممارسة الشريع القادر على تصويب و الحد أو إلغاء قرارات السلطة العامة، وهل تكون رئاسة المؤسسة التشريعية لم تنتبه الى وجود فوارق قانونية بين البرلماني و المواطن حين تطبيق القانون ولا سيما إذا كان هذا الأخير قادرا على منع ممثل نفس المواطنين من الدفاع عن حقهم المشروع في الإمتعاض عن قرارات حكومة تحد من حرياتهم و تضيق على حقوقهم ؟

* حليم صلاح الدين  باحث في السياسات العمومية 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.