جميع الأخبار في مكان واحد

اليهودي، العبري، الإسرائيلي والصهيوني: قراءة مفاهيمية.. هل من خصوصيات مغربية؟

اليهودي، العبري، الإسرائيلي والصهيوني : قراءة مفاهيمية

هل من خصوصيات مغربية؟

تقرير فضاء الوساطة1

       1 توطئة

في إطار انطلاق برنامجه السنوي 2021 – 2022 استضاف فضاء الوساطة الأستاذ الباحث محمد المدلاوي في المحاضرةً الافتتاحية التي درت فعالياتها عن بعد يوم الإثنين 15 نونبر 2021؛ وذلك عبر القاعة الافتراضية وعلى الصفحة الرسمية لفضاء الوساطة على الفايسبوك. وتجدر الإشارة إلى أن الأستاذ الباحث محمد المدلاوي مختص مغربي في اللسانيات والثقافة الأمازيغية والعبرية والدراسات الإثنوموسيقية. وجاءت هذه المحاضرة الافتتاحية في إطار تخصيص أهم أنشطة هذا البرنامج السنوي لقضايا الوساطة الثقافية سواء من خلال التعريف بأهميتها في تدبير الصراعات والتوترات السوسيوثقافية بصفة عامة أو بهدف تسليط الضوء على هذه الصراعات، وكذا العمل على تقديم أدوات تهييئية لفهم أعمق لطبيعة هذه الصراعات وتنوير الرأي العام حولها.

وفيما يتعلق بموضوع هذه المحاضرة، فقد جاء في الورقة التقديمية لها أنه من المتعارف عليه أن جودة المعرفة وجودة عملية إنتاجها وتَلقِّيها مرتبطة بمدى امتلاك فهم صحيح وعميق بالمفاهيم التي تقوم عليها هذه المعرفة وتحتكم إليها، ذلك أن المفاهيم هي أدوات إنتاج المعرفة. وبالنظر لما تثيره المسألة اليهودية في فضائنا العربي والمغربي منه على الخصوص، يتطلب الأمر فتح نقاش حول مكونات التعددية المغربية المنفتحة في تعدديتها. وفي إطار مواكبة راهننا الوطني حول فهم هذه التعددية التي نعتبرها متعددة مركبة بما يتقاطع فيها كل مكون من مكونات الهوية المغربية مع المكونات الأخرى قطريا بل وفي انفتاح على الامتدادات خارج الحدود القطرية، خاصة التي يراها أساسية في دعم مساهمته للمشروع المجتمعي المغربي الذي يشتغل عليه. وهذا ما يجعلنا نتحدث عن هوية مغربية فسفسائية بالمعنى المنفتح الذي يجعل ضياع قطعة ما إفسادا للتركيبة المجتمعية كلها. وهكذا، نطرح موضوعا للحوار الهادئ الرصين حول “اليهودي، العبري، الإسرائيلي والصهيوني : مقاربة مفاهيمية وهل من خصوصيات مغربية؟” وذلك من أجل استجلاء التقاطعات والمسك بالامتدادات من أجل فهم واضح ومشترك بعيد عن الشعبويات بمختلف أصنافها وفي تجاهل للمناولات السياسوية التي تروم تحقيق مكاسب مؤسسة على المنطق الأغلبي الذي ينتصر للكم مضحيا بالكيف.

وعطفا على هذه المقاربة التي ترى المغرب كبوتقة انصهار لهذه التعدية المتعددة والتي ليست جمعا تراكميا فقط لهذه المكونات، ولكنها عصارة تركيبية لها (ليس بالمعنى الذي يقدمه باسكون حول المجتمع المركَّب société composite والذي نراه مفهوم هشا ويتعلق بالمستوى السكوني statique للتشكيلة السوسيواقتصادية formation socio-économique للمجتمع متناسيا المستوى الدينامي لهذه التشكيلة) مما يتطلب الوعي بالتجاذبات الثقافية وأشكالها وحجم توتراتها وتناغمها المجتمعي في إطار تناقضاتها وترابطها العضوي ضمن الوحدة المغربية، نجد إدموند عمران المليح يحدثنا عن المغربي اليهودي واليهودي المغربي متخذا موقفا من إسرائيل الدولة ككيان غير ممثل لليهود والمغاربة منهم على الخصوص مشيرا إلى استيلاب يهود المغرب ممن يقدمون ولاء للدولة الإسرائيلية. كما نتذكر صراع إبراهام السرفاتي المستميت من أجل مغربيته ونقاشه مع ميخائيل الباز الأنثربولوجي الكندي ذي الأصول المغربية حول الهوية اليهودية واليهود المغاربة وقضايا الشتات diaspora التشتت diasporisation وإعادة التشتيت rediasporisation … وكذا شمعون ليفي في دفاعه عن التراث اليهودي المغربي وخصوصيته … دون أن ننسى دفاع الملك الراحل محمد الخامس عن اليهود المغاربة2 ضد حكومة فيشي الفرنسية التي أرادت تطبيق بنود النازية على رعايا غير فرنسيين …

فهذه المحاضرة الافتتاحية جاءت لتوضيح ومعالجة هذه التقاطعات في إطار هذه التعددية المتعددة للمغرب من خلال التركيز على مساءلة المفاهيم العابرة للثقافات من قبيل :

* من هم اليهود؟ وهل يشكلون شعبا؟ وإذا كان كذلك فبأية معايير؟

* وهل كل يهودي عبري و/أو إسرائيلي؟ إذ تقول التوراة أنهم شعب عبر من مصر (العبريون)، واستقر في “أرض الموعد أو الميعاد”، حيث بُنيت مملكة داود وسليمان؛ ثم انقسم إلى مملكتي يهوذا وإسرائيل. كما أنه من المعروف أنه عاش المنفى في مناسبتين : بعد تدمير الهيكل الأول في القرن السادس قبل الميلاد، ثم بعد هدم الهيكل الثاني في عام 70 م كما تروي ذلك الأخبار.

* أما الصهيونية فيتم تحديدها كفلسفة لدولة إسرائيل التي تريد أن تكون حصرية لليهود وناطقة باسم الشتات. ويتم انتقاد هذه النظرة الأصولية الأخيرة حتى بين اليهود سواء أكانوا متدينين أم لا. وهناك من اليهود الذين لا يريدونها أن تتحدث نيابة عن هذا “الشعب اليهودي” أو باسمهم، حتى لا يتم رهن مستقبل اليهودية واليهود بمصير دولة متصارعة مع محيطها وتنعت بالمحتلة.

هذه بعض التساؤلات والأفكار التي تم طرحها على المحاضر بهدف إثارة بعض القضايا المرتبطة بهذه المفاهيم … وذلك من خلال نقاش هادئ يغنينا في فهم تعدديتنا المغربية وتثمينها والدفاع عنها وربط الجسور الإنسانية الكفيلة بحمايتها واستدامتها كرافعة للوحدة والتلاحم ومن أجل مشروع مجتمعي حداثي ديموقراطي محتكم إلى قيم المواطنة والتعددية المجتمعية la socio-diversité.

         2 التقرير التركيبي للمحاضرة

افتتحت المحاضرة بكلمة للأستاذ عبد الفتاح الزين رئيس فضاء الوساطة؛ حيث رحب بالحضور، وشكر الأستاذ محمد المدلاوي على قبوله الدعوة. كما ذكّر بأهداف الفضاء، وطبيعة المهام التي يقوم بها في إطار تتبعه للتوترات والصراعات والتناقضات داخل مختلف مكونات المجتمع والمغربي منه على الخصوص، وأشار إلى أم هذه السنة سيتم التركيز على القضايا المرتبطة بالوساطة الثقافية واهتماها بتدبير هذه التوترات والصراعات التي تدور حول الثقافة عموما في مختلف أشكالها وتجلياتها.

بعدما عمل رئيس فضاء الوساطة على تأطير الندوة، من خلال التذكير بأرضيتها وراهنتيها مذكرا أنه في إطار هذه التعددية المغربية المتفاعلة ضمن الوحدة النشيطة والمنفتحة، تناول الرهانات التي تفتح باب موضوعنا هذا على خصوصية تجعل كل يهودي مغربي يعرف يهوديته بطريقته الخاصة، وفي إطار اختلافه مع الآخر. وهو ما يدفع إلى التساؤل حول إمكانية التمييز بين اليهودي، والعبري، والإسرائيلي، والصهيوني لما لهذا التساؤل من راهنية كبيرة. وأشار إلى أن موضوع الندوة سيتخذ بعدا تأريخيا وسوسيوثقافيا في معالجته لهذه المفاهيم، وكيفية بروزها، وسيرورة تشكلها طيلة هذا المسار الطويل لما سماه بالفضاء المتوسطي (محيط البحر الأبيض المتوسط). وختم التقديم بطرح بعض الأسئلة الموجهة للمحاضر والمتابعين لمحاضرته: يمكن إجمالها في الآتي :

هل هناك اختلافات بين هذه المفاهيم الأربع المذكورة في العنوان؟ ,عن كان، فما هي طبيعة هذه الاختلافات؟ وكيف ظهرت وتطورت؟ وكيف يمكن لنا أن نستعمل هذه المفاهيم بشكل صائب؟ وكيف يمكن فهمها في سياقها المغربي؟

استهل الأستاذ المدلاوي محاضرته بكلمة شكر للفضاء، وللجنة المشرفة على تحضير الندوة. بعدها عمل على إبراز أهمية تحديد المفاهيم موضحا أن كل الخطابات – إيديولوجية كانت أو علمية، تعبوية أو حجاجية – تستند في بنائها على مفاهيم ومصطلحات. لهذا يتعين علينا، حسب الأستاذ المدولاي، إن نحن أردنا السمو بالخطاب وعقلنته تحديد مدلول كل مفهوم/مصطلح بأكبر قدر من الدقة الممكنة، وذلك من خلال إدراج المفهوم، ما أمكن، في سياقه التاريخي الذي نشأ فيه.

إن مفاهيم/مصطلح مثل : اليهودي، العبري، الاسرائيلي، الصهيوني، حسب المحاضر، ظهرت في سياقات تاريخية معينة، وتلك السياقات هي التي تعطيها معنى ودلالة. ولهذا، فعدم استحضار هذه الجوانب، تجعل الخطاب في النهاية (ديماغوجيا). وفي هذا الاطار تأتي هذه المحاضرة كمجهود معرفي لتحديد كيف ظهرت مجموع هذه المصطلحات/المفاهيم. وسنستعرضها ضمن المراحل التالية :

        1 العصر القديم

انطلق المدلاوي، في المسعى الذي رسمه للمحاضرة، من مصطلح العبريين والعبرانيين Les Hébreux لكونه أقدم ما استعمل في تسمية اليهود. وتعود التسمية، حسب الأستاذ المدلاوي، إلى أسفار العهد القديم (الكتاب المقدس لليهود “التوراة” ويسمى أيضا بالتناخ). لهذا فإن استعماله يكاد يكون محدودا. تتحدث هذه الاسفار عن عشائر، وليس شعب أو قبائل، أغلبهم رعاة غنم كانوا يتحركون بين “ملتقى النهرين وبلاد كنعان. بهذا يكون العبرانيين في العربية دلالة عن الذين عبروا كما أوضح ذلك الاستاذ عبد الفتاح الزين في توطئة هذه المحاضرة. ومن الأسباب التي جعلت الاسم يحافظ على تداوليته إلى اليوم هو تسمية اللغة التي دُوِّنت وجُمِعت بها أسفار العهد القديم بالعبرية (עברית’).

غير أن العشائر التي استقرت في مصر، والتي عرفت بالأسلاف (وهي العشائر المنحدرة من أسلاف النبي يعقوب ممن قدموا لمصر مع إخوة يوسف)، شعرت في ظل ما يعرفه المؤرخون بمناخ التوحيد الأخناتوني (نسبة إلى أخناتون3)، بأنها تحمل رسالة. خاصة مع نزول الوحي، كما يورد المعتقد الديني، على موسى. الأمر الذي دفعهم إلى الخروج من مصر عبر سيناء والدخول إلى كنعان مع يوشع بن نون. دخول كان بحروب ضارية. وتعتبر مدينة أريحا، حسب ما أورده الأستاذ المدلاوي، أول المدن العتيقة التي سقطت بين أيديهم. من هنا بدأ الحديث عن بنو إسرائيل (نسبة للنبي يعقوب الذي يسمى في العهد القديم بإسرائيل). وتميزت هذه المرحلة، حسب المدلاوي، بهيمنة الكهنوت على مستوى الممارسات الدينية؛ ذلك أن كل الطقوس كانت تقتصر على تقديم القرابين والأضاحي لقدس الأقداس (تابوت الرب).

بعد هذه المرحلة، سيطالب ما سيعرف ببني إسرائيل من داود تأسيس مملكة خاصة بهم. غير أنه سيرفض طلبهم بدعوة عدم قدرتهم على العيش وفق نظام المملكة. غير أنه سيذعن في النهاية للأمر، ويعلن مملكة إسرائيل، ويعلن نفسه ملكا. غير أن المملكة، وبعد وفاة الملك سليمان، ستنقسم إلى مملكتين : مملكة الشمال (السامرة)، ومملكة الجنوب (يهوذا). ومن هنا جاء مصطلح اليهود. ففي الفترة التلمودية (أي كل ما تم تدوينه كشروح، وحواشي، وتكميلات، وذيول منصبةً حول العهد القديم)، وبعد النفي الأول إلى بابل، والنفي الثاني، وتخريب الهيكل (= هيكل الرّب)، أصبح اللفظ المستعمل لتسمية بني إسرائيل هو اليهود نسبة إلى يهوذا.

وجدير بالذكر، أنه بالرغم من ورود مصطلحي بنو إسرائيل، واليهود في القرآن، فإنه دائما ما يتم ذكر بني إسرائيل في باب التقريض، والتمجيد، والتفضيل، مثال ذلك : “يا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ” (47). أما مصطلح يهود، فيرد في القرآن في باب القدح والتجريح : مثال ذلك : “وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ” (120).

         2 العصور الوسطى:

في العصر العباسي، وفي ظل النفي الذي عرفه أغلب اليهود، بالنظر إلى تخريب الهيكل، سيظهر حسب ما طرحه الأستاذ محمد المدلاوي، تغير كبير على المستويين الديني والسوسيواقتصادي لليهود :

* على المستوى الديني : أصبحت التوراة هي المرجع الأساس للتعاليم التوراتية، وذلك بالنظر إلى تخريب الهيكل (قدس الأقداس). فأصبح التركيز على تعليم التوراة للجميع – وليس للكهان فقط – من خلال “الرِّبّيين” (وهما طبقة المعلمين، والرِّبِّيُّ هو المتصَوِّف اليَهودِيّ العَارِفُ بِاللَّهِ وَبالتَّوْرَاةِ)؛ ذلك أن الكتاتيب أصبحت تفتح للتَّفقُّه في التوراة. وأصبح التركيز على تعليم الكتابة والقراءة من أجل قراءة التوراة والتفقه فيها. الأمر الذي أدى إلى انتشار القراءة بشكل كبير بين أوساط اليهود.

* على المستوى السوسيواقتصادي : مكنت الإمبراطورية الإسلامية اليهود – في ظل اتساع مجالات التبادلات التجارية، ومع ظهور الصناعات والحرف وتطور العلوم، خصوصا في العصر العباسي – بفضل تمكنهم من القراءة والكتابة من تغيير أنشطتهم الاقتصادية. فلم يعد لهم ارتباط بالأرض وما تشترطه من أنشطة كالفلح والرعي … كما كان الشأن مع العبريين، وإنما تخصصوا في المهن الحرة من طب، وصيدلة، وتوثيق، ومحاسبة، وصيرفة، وقرض … إنها مظاهر جنينية للنظام الاقتصادي الرأسمالي. ذلك أنها تميزت بخلق قيمة اقتصادية لم تكن معروفة : مثل الشيك (أو السفتاجة كما كانت تسمى عند العرب القدامى)، الحوالة (إذن بالأداء) … وهي أدوات فرضها الرواج التجاري والاقتصادي. وكلها أمور أصبحت من اختصاص اليهود. هنا أصبح ينظر قدحيا لكل اليهود الذين بقي لهم ارتباط بالأرض في مقابل رفع شأن المهن الحرة.

وبالعودة إلى الثقافة السيوسيواقصادية السائدة في الجماعات اليهودية طيلة القرون الوسطى، يظهر لنا من قراءة كتاب “حفنة المختارين La Poignée d’élus” لصاحبيه ماريستيلاّ بوتيشيني Maristella Botticini وزفي إكشتاين Zvi Eckstein كمثال، كيف أعادت التربية والتعليم تشكيل التاريخ اليهودي ما بين 71 للميلاد (تاريخ التخريب الثاني للهيكل) وبين 1492 (تاريخ الخروج من الأندلس)، فخلال هذه الفترة حدث تحول ديني، وثقافي، وسوسيواقتصادي كبير.

          3 الفترة الحديثة والمعاصرة:

فلئن طرح الأستاذ المدلاوي التمييز في تحول مصطلح إسرائيلي من حيث الاستعمال بين مرحلتين:

* مرحلة قديمة : تعود إلى النبي “يعقوب”؛ ذلك أنه سمّي في التوراة (العهد القديم) باسم إسرائيل وليس يعقوب. من هنا أصبح من يسمون بالأسلاف، وهم القوم الذين تواجدوا في مصر، والذين ينحدرون من أبيهم يعقوب، يوسف، وإخوته، وكل من التحق بهم، أصبحوا يعرفون بأبناء إسرائيل أو بني إسرائيل أو باختصار بإسرائيل.

* مرحلة جديدة : ترتبط بنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن 20، عقب ما يعرف في الأوساط الثقافية الفرنسية والأوروبية بقضية دريفوس L’affaire Dreyfus التي ارتبط من خلالها اليهودي في المخيال الفرنسي بكل ما هو قدحي (دائم البحث عن الربح …) جعل اليهود الفرنسيين يفضلون مصطلح إسرائيلي.

وينبه المدلاوي في هذا الصدد الى التمايزات القائمة بين Israélite وIsraélien كما يتم تداولهما بالفرنسية، وبين ترجمتهما إلى العربية بنفس المصطلح “إسرائيلي؛ علما أن مصطلح Israélite يحيل على السياق الفرنسي وبالتحديد على قضية دريفوس، ومنه جاء اسم الرابطة اليهودية العالمية Alliance Israélite Universelle؛ فيما يرتبط مصطلح Israélien بقيام دولة إسرائيل، أي أنه يحيل على الأشخاص الحاملين لجنسية الكيان الإسرائيلي.

غير أن دينامية المصطلحات/المفاهيم/التسميات لم تتوقف عند هذا الحد بل ظهر في الفترة المعاصرة مصطلح آخر ملتبس الدلالة. ويتعلق الأمر بمفهوم الــصهيوني والصهيونية. فإذا كانت الهاسكاله4 Haskalah كجماعة يهودية تنويرية قد عملت على تهيئة العقول اليهودية في أوروبا من أجل الخروج من الغيتو ghetto، تلك الأحياء التي كانت مخصصة لتجمعات communauté اليهود بأوروبا؛ حيث كانوا يقرأون التوراة، ويعيشون منغلقين على ذاتهم. فإن إشعاع الهاسكاله ما لبث أن تراجع مع ظهور مشاعر القومية الوطنية إثر انهيار الإمبراطوريات الكبرى من جهة، ومع موجة الاتهامات والرفض الذي قوبل به اليهود باعتبارهم مالكي الثورة، وأنهم المسؤولون عن غلاء الأسعار والمعيشة في أوروبا من جهة ثانية؛ الأمر الذي سيقود إلى بروز حركة سياسية تنظيمية تؤمن بأن حل ما يعرف بالمسألة اليهودية5 la question juive لا يمكن إلا بإيجاد وطن قومي لليهود. ستعرف هذه الحركة باسم الصهيونية.

غير أن الأستاذ محمد المدلاوي يميز بين الصهيونية الصوفية وبين الصوفية السياسية مشيرا إلى كون :

* الصهيونية الصوفية فكر صوفي مهدوي messianique. وينتظر معتقدوه أزمنة معينة ستحصل فيها البُشرى، وسيعمّ فيها السلمُ الدنيا كافة وفق ما ورد في مسالك كثيرة من “سفر أشعيا” والتي تبشِّر بالمرحلة التي ستتوقف فيها الحروب. ويحيل الأستاذ المدلاوي في هذا الصدد على ثلاثة مسالك من سفر أشعيا من 1 الى 3، وهي :

1 وَيَكُونُ فِي آخِرِ الأَيَّامِ أَنَّ جَبَلَ بَيْتِ الرَّبِّ يَكُونُ ثَابِتًا فِي رَأْسِ الْجِبَالِ، وَيَرْتَفِعُ فَوْقَ التِّلاَلِ، وَتَجْرِي إِلَيْهِ شُعُوبٌ.

2 وَتَسِيرُ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ وَيَقُولُونَ: «هَلُمَّ نَصْعَدْ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ، وَإِلَى بَيْتِ إِلهِ يَعْقُوبَ، فَيُعَلِّمَنَا مِنْ طُرُقِهِ، وَنَسْلُكَ فِي سُبُلِهِ». لأَنَّهُ مِنْ صِهْيَوْنَ تَخْرُجُ الشَّرِيعَةُ، وَمِنْ أُورُشَلِيمَ كَلِمَةُ الرَّبِّ.

3 فَيَقْضِي بَيْنَ شُعُوبٍ كَثِيرِينَ. يُنْصِفُ لأُمَمٍ قَوِيَّةٍ بَعِيدَةٍ، فَيَطْبَعُونَ سُيُوفَهُمْ سِكَكًا، وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِلَ. لاَ تَرْفَعُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ سَيْفًا، وَلاَ يَتَعَلَّمُونَ الْحَرْبَ فِي مَا بَعْدُ.

* أما الصهيونية السياسية : فهي تنظيم له أدبياته ومؤتمراته التي ترسم خارطة طريق لإيجاد وطن لليهود. ويعتبر تيودور هرتزل Theodor Herzl أبرز قياديي هذا التنظيم؛ حيث أنه نذر حياته لتأسيس دولة اليهود. ومن أجل إنضاج هذا المشروع عقد تيودور هرتزل مؤتمر بَال Bâle بسويسرا سنة 1897. وقد وضع هذا المؤتمر الخطوط البراغماتية والبرامج التي من شأنها إنجاح مخططه والمتمثل في إيجاد وطن لليهود تحت غطاء القانون العام. فانطلقت المفاوضات مع كل من الإمبراطوريتين البريطانية والعثمانية. وكانت هناك عدة اقتراحات لهذا الوطن. وقد طرحت عدة خيارات من بينها : أوغندا، وسيناء، وفلسطين، والأرجنتين. غير أن القرار سيستقر على فلسطين بعد وعد بلفورBalfour Declaration6.

ومنذ تلك اللحظة سيتم الشروع في تطبيق المخطط الصهيوني عبر الهجرة من شمال أوروبا إلى فلسطين وبداية شراء الأراضي وتأسيس التعاونيات ثم تأسيس الجامعة العبرية إلى أن تم تقسيم فلسطين والإعلان عن قيام دولة إسرائيل بتاريخ 14 ماي/أيار1948. ومن أجل التشجيع على الهجرة إلى فلسطين قامت الحركة الصهيونية السياسية بتوظيف الصهيونية الصوفية من خلال الحديث عن التّوْق للوقوف على جبل صهيون. كل ذلك بغية استمالة اليهود المتدنين للرحيل والهجرة. وهو ما أهمله تيودور هرتزل في المراحل الأولى للصهيونية السياسية.

بالإضافة إلى ذلك، وظفت الصهيونية السياسية البعد الاقتصادي المرتبط بالمنفعة التجارية؛ حيث عملت على استقطاب التجار اليهود من خلال استعراض ما يوفره السوق الإسرائيلي من امتيازات ستمكنهم من تطوير تجارتهم، والارتقاء بها. ويورد المدلاوي هنا مقتطفا من (خبارات على خواننا فالأرض وفالكولة) ليبرز طبيعة الابتزاز والاغراء الذي قامت به الصهيونية السياسية.

غير أن هذه المحاولات قوبلت بالرفض من طرف اليهود المغاربة؛ ذلك أن سلطة الصهيونية السياسية على الجماعات اليهودية طانت ضعيفة جدا، ولهذا كانت تحاول وضع أطر جديدة للتعبئة، مع أطر للاندماج، مرفقة بأطر أخرى لصناعة حياة جديدة لليهود … إلاّ أن الارتباط الذي يسم اليهود المغاربة بالمغرب له خصوصيته؛ يعتبرونه بلد حليب وعسل. وبلد الآباء المليء بمزارات الأولياء (= رجال البلاد). وهو نفسه البلد الذي يضمن لهم أن يعيشوا حسب تعاليم التوراة؛ إذ من الممكن لهم أن يُسيِّروا أحوالهم الشخصية (الزواج، الطلاق، المواريث …) وكل ما يمكن أن تَبُث فيه فقهيات التوراة، من محاكمة خاصة بهم … فلهم اعتراف بخصوصيتهم العقدية من طرف سلاطين المغرب.

وهذا ما حاولت الصهيونية السياسية المناورة به من خلال سعيها لاستثمار التحولات السياسية التي واكبت الحركة الوطنية وبعدها الاستقلال؛ حيث بدأت تطرح أسئلة في الصحافة حول الضمانات التي يمكن الحصول عليها حول مستقبل اليهود في المغرب. أسئلة لم تكن مريحة، ولا تبعث على الطمأنينة على حد تعبير الأستاذ المحاضر. وهو الأمر الذي بالغت في توظيفه الصهيونية السياسية من أجل استدراج اليهود المغاربة للهجرة إلى إسرائيل. ولعل التساؤل المدرج أسفله كنموذج والذي يضرب في عمق الحياة اليهودية المغربية يوضح هذه الأنواع من المناورة والتدليس على هذا المكون المغربي الذي يعترف له الدستور المغربي بحقوقه كمواطن كامل المواطنة إسوة بباقي المغاربة.

وفي الختام نبه الأستاذ محمد المدلاوي إلى تحديد السياقات التاريخية المرتبطة بكل مفهوم/مصطلح على حدة وذلك من أجل تفادي السقوط في مناولات سياسوية إيديوثقافية تضر بمكتسبات السياق السوسيوتاريخية حتى يتم رفع اللبس عن معاني هذه المصطلحات أو المفاهيم بما يفيد في فهم التطورات السوسيوتاريخية بشكل موضوعي يساهم في الحفاظ على التماسك الاجتماعي للمجتمع المغربي بعيدا عن كل إقصاء وتهميش لأي مكون من المكونات المغربية وبما يساعد أيضا على العيش المشترك واحترام الاختلاف وتثمين التنوع وفق قيم المواطنة المنفتحة. كما ذكّر بأن الغاية الأساسية من هذه المحاضرة هو عقلنة النقاش والارتقاء به من المستوى الديماغوجي إلى المستوى العلمي والتاريخي. كما شكر فضاء الوساطة على هذه الفرصة التي منحت له.

  1. اختتام المحاضرة :

ورفع الأستاذ عبد الفتاح الزين منشط الجلسة ورئيس فضاء الوساطة شاكرا الأستاذ محمد المدلاوي على محاضرته القيمة، وذلك بعد نقاش غني ومفيد ساهم فيه جمهور المتابعين. وأثار بعض القضايا منبها إلى أنها ستكون موضوع أنشطة أكاديمية، وهي على سبيل المثال :

* الجنسية المغربية وامتدادتها العبروطنية : التثمين والاستثمار. وفي علاقة بموضوع هذه المحاضرة، لا ننسى أنه ليس هناك فقط جالية يهودية مغربية تعيش في إسرائيل وتحمل جنسيتها بل هناك أيضا فلسطينيون من أصول مغربية. كما أن مواقفهم من القضية الفلسطينية تختلف اختلافا كبيرا. ليس فقط على المستوى العقدي من الصهيونية بشقيها الديني والسياسي بل وكذلك على المستوى السياسي والإيديوثقافي والهوياتي حتى من إسرائيل ككيان سياسي.

* قضية معاداة السامية في المغرب : التاريخ والذاكرة. وهو موضوع نروم تناوله في إطار واجب الذاكرة ليس فقط بالنظر للمكون العبري فقط، ولكن أيضا بالنظر لمكونات المجتمع المغربي الأخرى خاصة على ضوء ما تعلق بالتمييز الذي يجرّمه القانون المغربي سواء كان موضوعه الأشخاص الذاتيون أو الأشخاص المعنويون.

وأشار إلى أن هذه المحاضرة تشكل نواة دفتر ضمن سلسلة دفاتر فضاء الوساطة التي ينتظر صدور أول دفتر منها ويتعلق بدفتر “اليومي النسائي تحت كوفيد-19“. وسيكون ذلك باتفاق مع الأستاذ محمد المدلاوي. وذلك جريا على التقليد الذي تمّ سنه مثمنا تخصيص برنامج هذه السنة لموضوع الوساطة الثقافية والصراعات والتوترات السوسيوثقافية والإيديوثقافية داخل المجتمع، وكذلك في علاقته بالمجتمعات الأخرى من خلال الامتدادات العبروطنية.

ـــــــــــــــــــــــ

الهوامش

1 كل الهوامش الواردة في هذا النص هي من وضع رئاسة فضاء الوساطة إلى جانب التقرير المراجع والذي تكلف بصياغته الأولية من طرف محمد لمراني. ويمكنكم التواصل مع هيئة فضاء الوساطة على البريد الإلكتروني التالي : [email protected]

2 انظر أبحاث الأستاذ محمد كنبيب المتخصص في الدراسات التاريخية حول اليهود بالمغرب، وعلى سبيل المثال لا الحصر :

* روبير أصراف، محمد الخامس واليهود المغاربة. ترجمة علي الصقلي ومحمد كَلزيم، منشورات مركز الأبحاث حول يهود المغرب Centre de recherche sur les Juifs du Maroc (CRJM)، باريس، الطبعة الأولى، 1997. وللاطلاع على الكتاب يمكنكم النقر على الرابط التالي :

https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%85%D8%B3-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D8%A9-pdf

* إدموند عمران المليح، إدموند عمران المليح، المجرى الثابت. مطبعة النجاح، الدار البيضاء، 1993

3 ويعني اسمه “الروح الحية لآتون”. وعرف أيضًا قبل العام الخامس من ملكه بأمنحوتب الرابع. كان فرعونا من الأسرة الثامنة عشرة.  حكم مصر لمدة 17 عاماً. وتوفي ربمَّا سنة 1334 ق. م أو 1336 ق.م. يُشتهر بتخليه عن تعدد الآلهة المصرية التقليدية، وإدخال عبادة جديدة تركزت على آتون التي توصف أحيانًا بأنها ديانة توحيدية أو هينوثية. أي وحدانية مشوبة تقوم على عبادة إله واحد أساسي، دون إنكار وجود أو احتمالية وجود آلهة أخرى.

4 وتكتب بالعبرية השכלה وتعني حرفيا “التعليم”. وهي حركة الفكر اليهودي التي تشكلت خلال القرنين 18 و19، وتأثرت بشدة بحركة التنوير الأوروبية. وقد أطلق على المنخرطين فيها اسم مِسكيليم.

5 راجع كراس كارل ماركس “حول المسألة اليهودية” الصادر سنة 1844 في طبعته الألمانية. ترجمة نائلة الصالحي، كولونيا – ألمانيا، منشورات الجمل، 2003. ويفتتح كراسته باستعراض لموقف برونو باور كما يلي :

“يطالب اليهود الألمان، فبأي تحرر يطالبون؟ التحرر كمواطنين، التحرر السياسي.

يجيبهم برونو باور Bruno Bauer [المسألة اليهودية. براونشفايغ،1843] : ليس ثمة من هو متحرر سياسيا في ألمانيا، نحن أنفسنا لسنا أحرارا. فكيف نستطيع تحريركم؟ أنتم اليهود أنانيون. حين تطالبون لأنفسكم كيهود بانعتاق خاص، عليكم أت تعملوا كألمان من أجل انعتاق ألمانيا السياسي، وكبشر من الانعتاق البشري. وألاّ تشعروا أن النوع الخاص لاضطهادكم ولذلّكم استثناء عن القاعدة وإنما هو تأكيد لها.”

ويختم كارل ماركس كراسته هذه بالفكرة التالية : “إن التحرر الاجتماعي لليهودي، هو تحرر المجتمع من اليهودية”.

6 ويعرف كذلك بإعلان بلفور والذي جاء عبارة عن بيانٌ علنيّ أصدرته الحكومة البريطانيّة خلال الحرب العالمية الأولى معلنة دعمها لتأسيس وطن قوميّ للشعب اليهوديّ في فلسطين، التي كانت منطقة عثمانية تعيش بها أقليّة يهوديّة يمثل تعدادها حوالي 3-5% من إجماليّ ساكنتها. وقد ضُمِّنَ هذا الوعد ضمن رسالة بتاريخ 2 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1917 مُوَجَّهَة من وزير خارجيّة المملكة المتحدة آرثر بلفور إلى اللورد ليونيل روتشيلد Lionel Walter Rothschild أحد أبرز أوجه المجتمع اليهودي البريطاني، وذلك لنقلها إلى الاتحاد الصهيوني لبريطانيا العُظمى وإيرلندا. ونُشر هذا البيان في الصحافة في 9 نوفمبر/تشرين الثانيّ عام 1917.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.