جميع الأخبار في مكان واحد

“برج اليهودية”.. القصة الكاملة لتجمع سكاني تاريخي بالمدينة العتيقة لمراكش

يرتبط التجمع السكاني اليهودي في المدينة العتيقة بمراكش بحي الملاح (السلام حاليا)، الذي يحفل بتاريخ عريق ارتسمت ملامحه على مبانيه الأثرية، الناطقة بالتاريخ الطويل لليهود المغاربة الذين عاشوا بالمملكة المغربية منذ قرون طويلة، حيث شيدوا منازلهم ومحلاتهم التجارية ومدارسهم ومعابدهم.

فهل كان اليهود المغاربة يقطنون بهذا الحي في المراحل التاريخية للمغرب؟ وما هي جذور استقرارهم به؟ وما قصة “برج اليهودية” بحي المواسين؟ ولماذا ظل هذا المنزل بالحي ذاته في وقت انتقل اليهود إلى حي ملاح في عهد السعديين؟.

عاش اليهود بمدينة مراكش قبل ظهور الدولة المرابطية، من خلال ممارسة التجارة، حيث كانوا يدخلون في النهار للقيام بأعمالهم وقضاء مآربهم، ما يوضح عدم توفرهم على ملاح خاص بهم، لأن أصولهم تعود إلى مدينة أغمات والقرى المحيطة بها، قبل مجيء اليهود المطرودين من الأندلس سنة 1492، إثر صدور مرسوم الحمراء الذي أجبرهم على مغادرة مملكتي قشتالة وأراغون، وعقب توقف العمل بقرار صدر في عهد المرابطين، يقضي بمنعهم من الاستقرار بها، حسب لويس دي طوريس، وهو من يهود الأندلس.

عبد المنعم جمال أبو الهدى، المسؤول عن التراث بالمديرية الجهوية للثقافة بجهة مراكش، أوضح أن “برج اليهودية أو بيت اليهودية مكان يعود لسيدة أرملة عاشت في فترة الدولة السعدية”، مضيفا: “يرجع الاسم إلى حادثة وقعت خلال حكم عبد الله الغالب بأمر الله السعدي، الذي قرر سنة 1557 إحداث حي خاص باليهود لفصلهم عن المسلمين (الملاح)، بعدما كانوا يقطنون بأحياء ‘المواسين’ و’أسوال’، و’حارة السورة’”.

وواصل المتحدث لهسبريس: “اهتدى الوزير المكلف من طرف الغالب بأمر الله بهذا الأمر إلى مكان يوجد بمحيط قصر سلطاني، ولما انتهت أشغال الحي انتقل اليهود إليه، مع حرص السلطان على حق كل يهودي في مبادلة منزله بـ ‘المواسين’ أو ‘أسول’ و’حارة السورة’ بآخر بحي ‘الملاح’، أو مقابل مبلغ مالي، وتركت لهم حرية تدبير شأنهم الخاص، غير أن امرأة أرملة رفضت مغادرة منزلها القديم”.

“وبعد تعنت شديد، قدمت هذه المرأة بين يدي السلطان عبد الله الغالب بأمر الله السعدي”، يضيف أبو الهدى، وزاد موضحا: “اعتذرت له مبررة رفضها بكونها لا تستطيع مغادرة منزل أجدادها وآبائها، الذي ترعرعت فيه، وأصبح يشكل جزءا منها، فقبل السلطان عذرها، وأمر بأن يخلى سبيلها، على أن يحاط علما عند وفاتها، ولما أدركتها الوفاة، أخبر السلطان بذلك، فأمر أن يترك بيتها على حاله، وهو المعروف إلى اليوم بـ’بيت اليهودية’ أو ‘برج اليهودية’. وبعد انتهاء أشغال البناء، انتقل اليهود إلى الحي الجديد (حي الملاح) الذي شكل تجمعا يهوديا ثانيا، بعد الذي أقيم لهم بمدينة فاس سنة 1438م، ليصبح فضاء بارزا للتعايش السلمي بين الديانتين (الإسلامية واليهودية)”.

“وبالعودة إلى المراجع التاريخية فإن مدينة مراكش عرفت باستقطاب اليهود الذين تمركزوا بحارة ‘المواسين’، التي عرف أحد دروبها صناعة الموسى والسكاكين، وكان ذلك من اختصاصهم؛ مع حي ‘أسوال’ و’حارة السورة’، قبل الدولة السعدية”، يورد المتحدث نفسه، مشيرا إلى أن هذا التجمع السكاني تحول إلى مجمع ديني في عهد عبد الله الغالب، يضم المسجد الجامع والساقية والمرحاض والمضاءة والمدرسة، إلى جانب مجمع “باب دكالة”.

ونظرا لتزايد أعداد اليهود إثر الهجرة من الأندلس فرارا من محاكم التفتيش تغيرت التركيبة الاجتماعية لحارة “المواسين”، ما دفع السلطان عبد الله الغالب بأمر الله السعدي إلى تخصيص حي لهم، لفصلهم عن المسلمين، لأن “أهل الورع يجتنبون الصلاة في الجامع مدة بعد بنائه لأن مكانه كان مقبرة لليهود، كما أن أحبار اليهود يتحاشون المرور من حي المواسير خوفا من الدنس”، كما يفيد المؤرخ والأديب والفقيه المغربي محمد الصغير الإفراني (1080هـ – 1156هـ ).

وأوضح أبو الهدى أن “بعض الدراسات أكدت أن حي المواسين لم تكن به مقبرة يهودية قديمة، وهو بالتالي قول ضعيف لم يأت به إلا عدد قليل من المؤرخين الذين ردت عليهم فتاوى ذلك العصر بما ينفي هذه المزاعم”، وزاد مستدركا: “بل كان تجمعا سكنيا يقطنه اليهود بكثافة، ومقرا لتجارتهم في صناعة الأمواس والسيوف، ليتم تجميعهم وسكان ‘أسول’ و’حارة السورة’ بحي الملاح مع بداية القرن 16، الذي ضم منازل كبيرة، بالقرب القصر الملكي، كرسالة عن العناية باليهود ومؤشر على ضمان مزيد من الحماية لهم”.

وما يفند وجود المقبرة اليهودية يكمن في تعاليم المذهب الحريدي التوراتي اليهودي (السلفية اليهودية)، الذي كان عليه أغلب يهود الشتات في القرون الوسطى، والذي يحرم إقامة “الميعارة” أو المقبرة وسط الأحياء المأهولة بالأمميين (الڭوييم غير اليهود)، ولذلك فالمقابر اليهودية الأولى في مدينة مراكش كانت في اتجاه طريق أغمات، وفق المتحدث ذاته.

وتشير بعض المراجع إلى أن “برج اليهودية” سمي كذلك لأنه كان كنيسا للعبادة، لكن هذه إشارة ضعيفة، لأن اليهود كانوا يعيشون بحارة أواخر العصر المرابطي وبدايات العهد الموحدي تحمل اسم “أبي عبيدان”، حيث قطن فحول الموحدين والكثير من العلماء على مر العصور، مثل “أحمد باب الصنهاجي التُّنْبُكْتي” (1556م – 1627م)، وتم تغير اسمها إلى “المواسين” مع الحقبة السعدية. وعن هندسة هذا المنزل فهو عبارة عن مسكن يحاذي الجدار الخلفي لمسجد المواسين بـ”درب الشرفا الكبير”، وبه نافذة تطل على الطريق المؤدي إليه.

وفي بداية تأسيس عاصمة النخيل، كان اليهود يقيمون خارجها، في عهد الأمير علي بن يوسف المرابطي، وكانوا يدخلونها وقبل حلول المساء يغادرونها مخافة استباحة مالهم ودمهم، وهو العرف الذي كان سائدا آنذاك.

واستعاد حي الملاح اليهودي، الذي يعود تاريخه إلى حقبة محاكم التفتيش في القرن 15، والساحات العمومية والأسواق المحيطة به، وسط مدينة مراكش، حيويته بفضل خطة ترميم أطلقتها السلطات المغربية في السنوات الأخيرة، بغلاف مالي إجمالي قدره 194 مليون درهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.