جميع الأخبار في مكان واحد

الثقافة وعلاقتها بالتنمية

يشكل موضوع الثقافة والتنوع الثقافي في علاقتهما العميقة بقضايا التنمية أحد أبرز المواضيع الراهنة التي تستأثر باهتمام الباحثين، إضافة إلى المنظمات الدولية كهيئة الأمم المتحدة واليونسكو، التي اعتبرت الثقافة من المرتكزات الأساسية لتحقيق التنمية الشاملة والدائمة. معتبرة أنه لا يمكن تحقيق التطور التكنولوجي والصناعي دون تحقيق تنمية ثقافية تستهدف الإنسان بوصفه كائنا اجتماعيا عاقلا منتجا لما هو رمزي.

وقد حدّدت منظمة اليونسكو مفهوم الثقافة في جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعا بعينه، وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة والحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات.

وهو نفس التعريف الذي قدّمه مؤسس الأنثروبولوجيا الثقافية إدوار تايلور (Edward Taylor) ( 2 أكتوبر 1832- 2 يناير 1917) للثقافة، حيث قال: “هي ذلك الكل المعقّد الذي يشمل المعارف والعقائد والفنون والتقاليد والصناعات والتقنيّات والأخلاق والقوانين، وباختصار هي العادات والسلوكيات والضوابط التي يتعلمها الإنسان من مجتمعه بوصفه عضوا فيه، وعليه مسؤوليات وواجبات تجاه ذلك المجتمع” (فيروز راد وامير رضائي: تطوير الثقافة، دراسة اجتماعية في مفهوم التنمية الثقافية عند علي شريعتي، ترجمة أحمد الموسوي، بيروت، 2017، ص 15) .

لقد ظهر في تاريخ الإنسان الطويل أنه يحيا في أنساق ثقافية منذ بداية الجماعة البشرية المنظمة، ما يجعله مرتبطا بالعوامل التي تتعلق بفكره وقيمه وخياله ومشاعره العميقة. ومن هنا احتلت الثقافة مكانة بارزة في الدراسات والأبحاث التي تهتم بعلم الاجتماع والأنتروبولوجيا الثقافية والاجتماعية.

وقد نصّ المؤتمر العام لليونسكو المنعقد في باريس من 3 إلى 21 أكتوبر 2005، على أنّ التنوع الثقافي يشكل تراثا مشتركا للبشرية، وأنه ينبغي تعزيزه، وأكد المؤتمرون على ضرورة “إدماج الثقافة كعنصر استراتيجي في السياسات الإنمائية الوطنية والدولية”.( https://ar.unesco.org/news) وفي سياق ما عرفه العالم من اجتياح جائحة كورونا وما نجم عنها من آثار مسّت مختلف القطاعات. عادت المسألة الثقافية لتطرح من جديد بإلحاح، خاصة بعد أن تبين بأن منظومة التقاليد والعادات ونمط الحياة وكذلك المعتقدات الشعبية لها انعكاسات كبيرة على سلوك المجتمع في ظروف الجائحة.

لقد بدا واضحا بأن التطور التقني والمادي والصناعي وحده لا يكفي لجعل البشرية ترقى إلى مستوى حضاري أفضل، أو يؤهلها لمواجهة التحديات الطارئة، حيث لا يمكن تصور تطور تكنولوجي من دون تنمية ثقافية، كما قال الزعيم الهندي “جواهر لال نهرو” : “التقنية الحديثة هي ثمرة الأفكار الحديثة، فليس بإمكانكم حيازة وسائل جديدة في الوقت الذي تكون فيه طرق تفكيركم قديمة، فلا فائدة في ذلك”) تطوير الثقافة، دراسة اجتماعية في مفهوم التنمية الثقافية عند علي شريعتي المصدر السابق ص 54).

إن نجاح برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتربوية والعلمية رهين باعتماد مقاربة التنمية الثقافية بناء على التنوع اللساني والتراثي والثقافي للشعوب، فلا يمكن تحقيق تنمية شاملة بدون الارتكاز على الأبعاد الثقافية في معناها الواسع.

من هذا المنطلق اعتبرت منظمة اليونسكو الصناعات الثقافية والإبداعية من أسرع الصناعات نمواً في العالم، وقد ثبت أنها خيار إنمائي مستدام يعتمد على مورد فريد ومتجدد هو الإبداع البشري. ويُقصد بمصطلح الإبداع قدرة الإنسان على وضع حلول وأفكار جديدة ومبتكرة نابعة من الخيال أو من مهارة الابتكار. تقول المديرة العام لليونسكو السيدة أودري أزولاي: “أظهر التقدير المتزايد الذي حظي به قطاع الإبداع إبّان العام الماضي شيئاً واحداً، ألا وهو ضرورة الثقافة لضمان رفاهنا العاطفي، لا سيما في خضم الأزمات. وإننا وإذ نسير نحو تحقيق التعافي، علينا الحرص على عدم تهميش قطاع الثقافة أو التخلي عنه”. (https://ar.unesco.org/news/jtm-mmy-rfy-lmstw-yndy- ).

وعلى إثر اتفاقية سنة 2005 المشار إليها، ازداد الاهتمام بهذا المنحى حتى يتمكن الفنانون والمهنيون والممارسون للإبداع الثقافي وسائر المواطنين من الابتكار والإبداع وتعزيز أشكال التعبير الثقافي، وذلك تحقيقا لمبدأ إدماج الثقافة في منظومة التنمية المستدامة، ودعم الآليات التي تشجع الابتكار وتعزز نشوء صناعات ثقافية وإبداعية نشيطة من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة.

وفي نفس السياق أكد رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، السيد ڤولكانبوزكير على أنه “في أحلك أيام الجائحة، وجد الكثيرون منا الراحة والعزاء في الموسيقى والكتب والأفلام، بيد أنّ العديد من الفنانين والمهنيين العاملين في مضمار الثقافة عانوا اقتصادياً. وإننا وإذ نسعى إلى التعافي من “كوفيد19″، علينا أن نستفيد في الوقت ذاته من مهارات الأشخاص العاملين في قطاع الصناعات الإبداعية والتأكد من عدم ترك أي فنان أو مهني يعمل في مجال الثقافة خلف الركب”. (المصدر السابق)

ويلاحظ أن الثقافة تحتل مكان الصدارة في المناقشات المعاصرة بشأن الهوية والتماسك الاجتماعي وتنمية اقتصاد قائم على المعرفة؛ وبالنسبة للمغرب فالتنوع الثقافي الذي يتميز به يجب أن يستثمر حتى يكون قاطرة أساسية في التنمية المستدامة جهويا وذلك اعتمادا على سياسة تشاركية مع الفاعلين المدنيين والسياسيين ومختلف الفرقاء الاجتماعيين.

والثقافة، من المنظور الاقتصادي، تساهم بشكل مهم في انتعاش مهن وحرف تقليدية مرتبطة بالتراث المادي وغير المادي، حيث توفر فرص الشغل، كما تستقطب مستثمرين للتعرف على غنى تراثنا الثقافي، وتشجيع الابتكار وتعزيز التفاعل بين القرى والمدن.

ومن الأبعاد الاستراتيجية التي يمكن أن تلعبها الثقافة كقطاع منتج مساهمتها في التنمية السياحية، بحيث تساهم بشكل أو بآخر في تنمية التراث الثقافي، وبالتالي تنمية وانتعاش الاقتصاد وذلك بجذب السياح والاستثمارات ورؤوس الأموال.

ووجب أن يكون الاستثمار الثقافي في خدمة العنصر البشري الذي يلعب دورا أساسيا في نجاعة وارتقاء أي نموذج تنموي وذلك بتسويق عطائه الإبداعي والفكري مع تكوين أطر كفأة من شأنها تعزيز هذا الاستثمار وتأهيل البنيات التحتية لهذا التكوين.

ويعني كل ما ذكرناه أن وضع الثقافة في صميم سياسة التنمية يمثل استثماراً أساسياً في مستقبل العالم وشرطاً ضروريا لعمليات تبادل عالمية ناجحة تأخذ بعين الاعتبار مبادئ التنوع الثقافي، علماً أن تذكير مجمل الدول بهذه المسألة الأساسية يقع على عاتق اليونسكو.

وترمي هذه الإستراتيجية من جهة إلى دمج الثقافة في مجمل سياسات التنمية سواء ارتبطت بالتعليم أو العلم أو الاتصالات أو الصحة أو البيئة أو السياحة، كما تهدف من جهة أخرى إلى دعم تطوير القطاع الثقافي عن طريق الصناعات الإبداعية. فبمساهمتها في التخفيف من حده الفقر، تنطوي الثقافة على منافع هامة من حيث تحقيق التماسك الاجتماعي.

من بين الاتفاقيات الأساسية الصادرة عن اليونسكو والمعنية بالثقافة وذات الصلة بموضوع المقال نجد:

– اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح (1954)، والاتفاقية الخاصة بحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي (1972)، ومعاهدة حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه (2001)، والاتفاقية الخاصة بحماية التراث الثقافي غير المادي (2003)، واتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي (2005) والتي اعتبرت أن الثقافة مساعدة لعملية التنمية؛ ومحرك للتنمية الاقتصادية؛ وأساسية للبيئة.

التراث الثقافي وعلاقته بالتنمية

ترث مختلف البلدان تراثا زاخرا من ماضيها الحضاري، وهو عبارة عن تراكم ثقافي ـ مادي ورمزي ـ تبلور وتفاعل لقرون طويلة، ليختزل في تفاصيله عناصر الشخصية الوطنية لكل بلد، وهويته الثقافية والحضارية.

وقد ألحت اليونسكو ومختلف المنظمات الثقافية الدولية على أهمية التراث في برامج التنمية، وذلك لما يحققه من مناصب شغل وما يجلبه من موارد مالية في السياحة والصناعات التقليدية ومظاهر اللباس والفنون والمعمار وغيرها. كما تبين من دراسات ميدانية عديدة بأن العامل الثقافي هو المحدّد الأكبر لاتجاه السياح، حيث يتم اختيار البلدان حسب غناها الرمزي وأهمية تراثها الثقافي الذي يغري السياح باكتشافه والتعرف على دلالاته والتمتع بمضامينه.

وظهر بالملموس من جانب آخر بأن اللقاءات والمهرجانات الثقافية والفنية تمثل مناسبة هامة لترويج المنتوجات المختلفة وخلق دينامية اقتصادية يستفيد منها السكان، ما يقتضي التفكير في تطوير ارتباط التراث الثقافي بالرأسمال الاقتصادي ومجال الأعمال، حيث يسمح ذلك بخلق إيرادات هامة وجعل منتجي الفعل الثقافي في وضعية مريحة من حيث وضعهم الاعتباري.

كل هذا يبرز مقدار إسهام التراث المادي واللامادي في التنمية المستدامة، وذلك لما يحققه من أمن وسلام يضمنان نجاح مشاريع التنمية، حيث يمثل التراث الثقافي فرصة لتلاقي الشعوب وتبادلها لقيمها الإنسانية الضامنة للتعايش.

وإذا كان للتراث الثقافي دور أساسي لا جدال فيه في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، فإن انعكاسات صيانة التراث والعناية به على البيئة والمحيط الطبيعي أمر صار من البديهيات، وذلك لما يوفره التراث الثقافي من خبرات في التعامل مع المجال المحيط، وقد أكد الدارسون على أهمية العناية بالتراث الثقافي في رعاية البيئة والاهتمام بها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.