جميع الأخبار في مكان واحد

الهجرة السرية.. قوارب الرّوليت الروسية!

السخط ورائي وبصيص أمل أمامي، هل أركب القارب وأموت أم أبقى وأموت؟

لماذا يوجد المهاجرون هنا؟ لقد عبروا الطرق الخطيرة والكثير منهم غادروا بلادهم المغتصبة وتركوا أجسادهم جامدة بكثرة هنا وهناك، بينما وصلت أقلية إلى أوروبا بعد منافسة صعبة لا تعترف بها حتى الألعاب الأولمبية.

أليس هذا تكرارًا لتاريخ أجدادهم الذين كانوا يتمتعون بكرامتهم في أوطانهم عندما نزلت سفن أوروبية قوية لاختطافهم بطرق إرهابية لتحويلهم إلى عبيد وترحيلهم إلى أماكن بعيدة؟ ومن الواضح أن العديد منهم تخلوا كذلك عن أجسادهم في البحار خلال سفرهم الارهابي!

ولا زال لحد الساعة يصل مهاجرون جدد دائمًا إلى أوروبا في نفس سفن العبيد ولكن على عكس أجدادهم يريدون حريتهم ولكن بشرط أن يلعبوا لعبة الرّوليت الروسية وهم مجبرون على سحب زناد قارب الزودياك.

في الماضي لما يهرب العبد الأسود كانت تتم ملاحقته وإعدامه. أما في عصرنا الحديث عندما يهرب المهاجر ويقبض عليه من طرف الأمواج، يتخلى عن جسده بقتل نفسه!

سواء في العصور القديمة أو الحديثة هل تجدون أن الإنسانية قد تغيرت وأن الحيوان البشري أصبح إنسانًا حقيقيًا؟

في التحليل النفسي نعلم أنه يمكن تجاهل الماضي أو قمعه ولكنه لا يزول أبدًا ويبقى دائمًا موجود وحاضر ونشيط وينتقل من جيل إلى آخر ولا أحد ينسى تماما مآسي ماضيه الشخصي والعائلي والوطني؟

ألا يأتي المهاجرون من دول كانت ضحايا الاستعمار والإبادة الجماعية والعبودية؟ ألا يأتي هؤلاء المهاجرون إلى أوروبا لتسوية ماضي أليم وصراعات ومشاكل مع المغتصبين والمعتدين على بلادهم؟ أليس هذا سر عائلي وشيء مسكوت عنه؟

في الآونة الأخيرة نشجع ضحايا الاغتصاب الجنسي للتحدث علانية وكسر حاجز الصمت والسعي إلى الإنصاف والعدالة لدرجة أنهم يجرؤون على التنديد علانية بشخصيات دينية وحكومية بالرغم على أن عدد هؤلاء الضحايا يبلغ بضعة آلاف فقط. ولماذا لا نحث الملايين والملايين من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في البلدان الفقيرة على الخروج من الصمت والسعي إلى الإنصاف والعدالة؟

ربما هؤلاء المهاجرون موجودون في أوروبا للتنديد باغتصاب بلدانهم والمطالبة بالعدالة والتعويض؟ وربما لإسكاتهم نقدم لهم قوارب الروليت الروسية؟

من وجهة نظر التحليل النفسي لا يمكن أن ينجح حل مشاكل الهجرة السرية إلا من خلال إصلاح مشاكل التاريخ التي تربط أوروبا بالعبودية عن طريق الاستعمار.

ألا يأتي المهاجرون إلى التراب الأوروبي لتذكير أوروبا وكشف المسكوت عنه “نحن أبناء عبيدكم السابقين ونحن أيضًا ودائمًا عبيدكم ولكن بدون قيود وبدون سياط”!

أمام سخط أوروبا والتعبير عن آلامها أمام هؤلاء المهاجرين الذين يتخلون عن أجسادهم في البر والبحار، أتساءل تحليليًا نفسيًا إذا لم تكن غاضبة من عارها لانتهاكاتها لحقوق الإنسان؟

هؤلاء المهاجرون السبعة والعشرون (27) الذين تم إعدامهم مؤخرًا في بحر أوروبا ألم يكونوا هناك حقًا داخل أوروبا نفسها في فترة الحمل وفي انتظار ولاداتهم بعملية قيصرية على أيادي حقوق الإنسان من أجل إنقاذهم والترحيب بهم في مهد الإنسانية للتصالح معهم والاستغفار؟ بدلاً من ذلك أليست تلك الأيادي التي تدعي أنها خبيرة ظلت دافئة في جيوب الأخوة والمساواة دون تقديم المساعدة والإغاثة لهؤلاء المهاجرين المعرضين للخطر؟

أخيرًا، ما هو الفرق بين العصور القديمة والحديثة؟ مهاجرون أم عبيد، ما هي الأهمية ما دام استمرار انتهاك الدول الفقيرة؟

هل تعتقدون أن هذه الظاهرة الوحشية والدموية ستنتهي يوما وخصوصا أن الديانات شاركت ولا زالت تشارك في العبودية؟

شيء أخير سخيف تمامًا، لإعطاء أنفسنا ضميرًا مرتاحًا تريد أوروبا إنهاء تشويه واستعباد الحيوانات، لذلك ستحظر فرنسا بيع القطط والجراء في متاجر الحيوانات الأليفة، كما يمنع بالفعل تشويه حيوان مثل قطع أذنيه وذيله واستخدام الحيوانات في السيرك؟

هذه مجرد دعوة بسيطة للنقد الذاتي والمسائلة!

الدكتور جواد مبروكي، طبيب نفسي ومحلل نفسي للمجتمع المغربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.